محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
84
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وقال حاتم الطائي : وإنك مهما تعط بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا والنظر في حق اللّه عز وجل وعظمته ونعمه التي لا تحصى وأن مع هذا كيف يعصى ويخالف فيما أمر ونهى ؟ والنظر في هذه المحبة ليس لها سبب صحيح ، وأن هذا المحبوب كغيره من الناس بل ربما كان دونهم كما قد شاع عن قبح ليلى وصاحبها المجنون المفتون بها ، وجماع الحلال من زوجة وجارية ، فقد روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال " 1 " : " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يبرد ما في نفسه " وروي أيضا عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول " 2 " : " إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يبرد نفسه " قوله : " تمعس " بالعين المهملة الدلك ، والمنيئة بميم مفتوحة ثم نون مكسورة ثم همزة ممدودة ثم تاء تكتب هاء وهي الجلد في الدباغ . قال الكسائي : يسمى منيئة ما دام في الدباغ وقال أبو عبيد : هو في أول الدباغ منيئة ثم أفيق بفتح الهمزة وكسر الفاء وجمعه فيق كقفيز وقفز ، ثم أديم وقوله : " تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان " أي أن المرأة شبيهة به في دعائه إلى الشر بتزيينه ووسوسته ، والمراد الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بالمرأة لميل القلوب إلى النساء ، وإنما أتى عليه السّلام ما فعل بيانا وإرشادا إلى ما ينبغي فعله فعلم الناس بفعله صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد قال الأطباء : " من فوائد الجماع أن يزيل داء العشق ولو كان مع غير من يهوى " . ومن أكبر الدواء التضرع إلى اللّه سبحانه لا سيما في أوقات الإجابة والأماكن المعظمة في كشف ذلك وإزالته والعافية منه فإنه سبحانه على كل شيء قدير وقد أحاط بكل شيء علما . ومن الدواء أن ينظر في المحبوب فإن كان ممن يتعذر الاجتماع به فيقول في نفسه : إن الطمع في ذلك جنون كالطمع بالشمس والقمر ونحوهما ، وإن كان ممن يمكن الاجتماع به كالممتنع قدرا بالنظر فيما سبق من أنواع المداواة ينبغي الاعتناء بها . وإن اعتنى مع ذلك بما ذكره بعض الأطباء مما يباح شرعا فحسن كقول بعضهم وأظنه ابن المالكي : المداواة للعشق تدبر بالتدبير المرطب كالاستحمام بالماء العذب والركوب والرياضة المعتدلة والتمريح بدهن
--> ( 1 ) رواه مسلم ( النكاح / 1403 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( النكاح / 1403 ) .